ابن قيم الجوزية

583

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد يكون هذا المسموع شديد التأثير في القلب . ولا يشعر به صاحبه ، لاشتغاله بغيره ، ولمباينة ظاهره لباطنه ذلك الوقت . فإذا حصل له نوع تجرد ورياضة : ظهرت قوة ذلك التأثير والتأثر . فكلما تجردت الروح والقلب ، انقطعتا عن علائق البدن ، كان حظهما من ذلك السماع أوفى ، وتأثرهما به أقوى . فإن كان المسموع معنى شريفا بصوت لذيذ : حصل للقلب حظه ونصيبه من إدراك المعنى ، وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له . وللروح حظها ونصيبها من لذة الصوت ونغمته وحسنه . فابتهجت به . فتتضاعف اللذة . ويتم الابتهاج . ويحصل الارتياح . حتى ربما فاض على البدن والجوارح . وعلى الجليس . وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم . ولا يحصل إلا عند سماع كلام اللّه . فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة . وباشر القلب روح المعنى . وأقبل بكليته على المسموع . فألقى السمع وهو شهيد . وساعده طيب صوت القارئ : كاد القلب يفارق هذا العالم . ويلج عالما آخر . ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة . وذلك رقيقة من حال أهل الجنة في الجنة . فيا له من غذاء ما أصلحه وما أنفعه . وحرام على قلب قد تربّى على غذاء السماع الشيطاني : أن يجد شيئا من ذلك في سماع القرآن . بل إن حصل له نوع لذة . فهو من قبل الصوت المشترك . لا من قبل المعنى الخاص . وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه اللّه محبوبهم سبحانه وتعالى عيانا ، وسماع كلامه منه . وذكر عبد اللّه ابن الإمام أحمد في كتاب « السنة » أثرا - لا يحضرني الآن : هل هو موقوف أو مرفوع - « إذا سمع الناس القرآن يوم القيامة من الرحمن عز وجل . فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك » . وإذا امتلأ القلب بشيء ، وارتفعت المباينة الشديدة بين الظاهر والباطن : أدت الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه ، وإن لم يدل عليه ذلك المسموع . ولا قصده المتكلم . ولا يختص ذلك بالكلام الدال على معنى . بل قد يقع في الأصوات المجردة . قال القشيري : سمعت أبا عبد اللّه السلمي يقول : دخلت على أبي عثمان المغربي ، ورجل يستقي الماء من البئر على بكرة . فقال : يا أبا عبد الرحمن ، أتدري إيش تقول هذه البكرة ؟ فقلت : لا ، فقال تقول : اللّه اللّه . ومثل ذلك كثير . كما سمع أبو سليمان الدمشقي من المنادي : يا سعتر برّي : اسع تر برّي « 1 » .

--> ( 1 ) هذا خيال يتخيله الأطفال . وبسطاء العقول . أما المؤمنون الفقهاء الحكماء الراشدون فإنهم يسمعون كل مسموع على طبيعته وخلقه الذي خلقه اللّه الذي ( أعطى كل شيء خلقه . ثم هدى ) ويؤمنون بأنه بحركته وصوته يسبح اللّه الذي خلقه حقا لا باطلا .